مؤسسة آل البيت ( ع )

120

مجلة تراثنا

ولكن هل يعقل أن العربي حين يتكلم بلغته - فيرفع الفاعل ، وينصب المفعول ، ويرفع اسم كان وينصب خبرها ، ويعرب بعض الألفاظ ويبني بعضها ، ويشتق ، ويصوغ ، ويذكر ويؤنث ، ويحذف ويضمر ، وأمثال ذلك - ينص على الأسباب التي جعلته ينطق بلغته على هذه الكيفية ؟ ! بل هل له أن يراعي أو يدرك تلك الأسباب حتى ينص عليها في بعض ويومئ إليها في البعض الآخر ؟ ! أو أن العربي - كغيره من الأجناس الأخرى - يتكلم بلغة قومه ، بصورة عفوية دون أن يخطئ في حركاته ، واشتقاقاته ، وتركيباته ، كما لا يخطئ غيره من المتكلمين باللغات الأخرى ، لأنهم يصدرون في كل ذلك عن مخزون ما ألفوه من صياغة وتركيب ؟ ! بل هل نحن الذين تكلمنا بلغة العرب - بعد أن عرفنا عللها كما استنبطها النحاة - حين نتكلم بهذه اللغة ، فنرفع ، وننصب ، ونخفض ، ونجزم ، ننص أو نشير إلى أسباب ذلك ؟ ! وهل يكون كلامنا حينئذ لغة عربية عفوية ؟ ! أو هو بحث في اللغة العربية ! ! ؟ . وقد حاول هؤلاء المؤلفون في أصول النحو ، أن يؤكدوا مسلك النص على العلة ، وبخاصة ابن جني ، فهو بعبقريته اللغوية النادرة ، وملاحظته الدقيقة عقد فصلا في كتابه لذلك ، مؤكدا أن العرب نصوا على العلة أحيانا ، ولم يذكر أكثر من خمسة شواهد لا تنهض جميعا لأن تعتبر أمثلة للنص على العلة ، إلا بتدخل فهم ابن جني لها ، بعكس تنصيص الشارع الواضح : ( من أجل ذلك ) أو ( لعلة كذا ) أو ( لأنها مكسرة ) ، ولعل أوضح هذه الشواهد ما دار بينه وبين صاحبه ( الشجري ) ، وهو بدوي في القرن الرابع ، وقد سأله ابن جني : ( كيف تقول : ضربت أخاك ؟ فقال : كذاك ، فقلت : أفتقول : ضربت أخوك ؟ فقال : لا أقول ( أخوك ) أبدا ، فقلت : فكيف تقول : ضربني أخوك ؟ فقال : كذاك ، فقلت : ألست زعمت أنك لا تقول ( أخوك ) أبدا ؟ فقال : أيش ذا ؟ ! اختلفت جهتا الكلام ) ثم يعلق ابن جني مستنتجا : ( فهل هذا في معناه